أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » مستلزمات العمل العربي المشترك … ✍د. سعيد الشهابي
مستلزمات العمل العربي المشترك … ✍د. سعيد الشهابي
د.سعيد الشهابي ... كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

مستلزمات العمل العربي المشترك … ✍د. سعيد الشهابي

✍د. سعيد الشهابي

برغم ما يقال عن ضعف العمل العربي المشترك عندما كان أحد التمظهرات المهمة لمقولة الوحدة العربية، فأن ما كان متوفرا منه، كان مانعا من أمور عديدة: تفرد كل دولة بقرارها وموقفها، استضعاف الأمة من قبل الاحتلال الذي كان يسمى يوما «العدو المشترك»، انفتاح الأبواب على مصاريعها أمام الهيمنة المطلقة سواء من الشرق أو الغرب، والحؤول دون قيام مجموعات التطرف والإرهاب التي تجاوزت الحدود الجغرافية المصطنعة وتحركت ككيان واحد برغم اختلافاتها.

هذا العمل العربي المشترك ساهم في الحفاظ على هامش صغير لوحدة الشعوب وشعورها بوجود دعم محدود من «الأشقاء» عند الحاجة. تلاشى هذا العمل المشترك منذ أن صعدت دويلات صغيرة لتحتل الواجهة السياسية للأمة العربية بعد أن تم تهميش الدول العربية الكبرى. فمصر لم تعد موجودة كقوة عربية فاعلة، ولا العراق الذي ما يزال يبحث عن هوية ودور ووسائل للاحتفاظ بوحدة كيانه، ولا سوريا التي حرقت من الداخل، ولا السودان الذي قطعت أوصاله، ولا اليمن الذي تحتله دول شقيقة تصغره حجما وشأنا. فعندما احتلت القوات الصهيونية أرض فلسطين قبل سبعين عاما، توجهت الجيوش إلى الحدود تعبيرا عن إرادة أمة تعرضت للتمزيق منذ دخول المنطقة عهد الاستعمار وإسقاط آخر تجليات الوحدة، متمثلا بدولة الخلافة العثمانية. ربما لم تكن تلك القوات فاعلة ولم تنجح في صد العدوان ومنع سقوط فلسطين بأيدي الاحتلال، ولكنها كانت تعبيرا عن ذلك «العمل العربي المشترك». وعندما انطلقت ثورة الجزائر وبلغت ذروتها في 1962 كان العربي المشرقي يشاطر أخاه المغربي الشعور بالعزة والكرامة ويردد معه : في الهول في لهب المجازر…. ألقاك يا بطل الجزائر. وعندما حدثت حرب 1967 كان هناك شعور عربي عام بأنها حرب الأمة وليست مهمة دولة أو شعب بعينه.

يومها كانت أمة العرب تعيش أجواء الوحدة في المشاعر والشعارات على الأقل. وكان الكثيرون يتابعون نضال ثوار عدن ضد الوجود البريطاني، فيما كان هناك شعور بالتضامن مع «ثوار ظفار» تعبيرا عن رفض التدخل الأنكلو ـ أمريكي في المنطقة وتواجد قواته في قاعدتي صلالة ومصيرة العمانيتين. وعندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان في العام 1975 تحركت الدول العربية في إطار العمل العربي المشترك وأقرت ما سمي «قوات الردع العربية» للتدخل لوقف الحرب الداخلية المحتدمة. وكانت حرب أكتوبر 1973 آخر تمظهرات العمل العربي المشترك على الصعيد الميداني. ولم يعتبرها أحد حربا مصرية فقط، بل كانت حربا عربية إسرائيلية. وكان من نتائجها أمران: القفزة النفطية التي غيرت موازين القوى وساهمت لاحقا في إضعاف مبدأ العمل العربي المشترك، وخروج مصر من دائرة النضال العربي، وبداية مرحلة التماهي مع الاحتلال.

هذا السرد التاريخي لمسيرة العمل المشترك يراد منه التوصل إلى عدد من الاستنتاجات: الأول أن هناك مجالا لعمل مشترك على صعيد الأمة بشرط عدم طغيان الرغبة في الاستحواذ والهيمنة خصوصا من الدول الصغيرة. الثاني: أن الأمة ستزداد ضعفا أن وقعت تحت هيمنة دول لا تملك من مستلزمات القيادة سوى المال، وتستقوي بالأجانب على بعضها. الثالث: أن العمل المشترك يتطلب وجود توافق نفسي وسياسي إزاء قضايا كبرى. وقد كانت قضية فلسطين محور ذلك العمل في العقود التي سبقت الحقبة النفطية. ويستحيل إقامة عمل مشترك مع وجود دول تسعى للتطبيع مع الاحتلال والتخلي عن الشعب الفلسطيني وتشن الحروب العسكرية والسياسية ضد الأشقاء بدعم من الأعداء، كما يحصل الآن. الرابع: أن شعوبنا استدرجت لقضايا هامشية مفتعلة، فانشغلت عن القضايا الكبرى كتحرير فلسطين وتقرير المصير والحفاظ على الاستقلال ومنع الهيمنة الغربية وتأكيد دور الجماهير في تقوية الصف. الخامس: أن معنويات الجماهير ترتفع في أجواء النضال والبحث عن الحرية خصوصا مع وجود قادة ومفكرين وعلماء وأدباء يوجهون طاقاتهم وأدبهم ليحققوا تناغما مع روح النضال المختزنة في نفوس الأحرار والكرماء الذين يرغبون بكسر قيود التبعية والاستسلام.

ما مصداق هذا السجال في الواقع العربي اليوم؟ عدد من المؤشرات يكشف الهوة الكبيرة التي تحول دون تحقق صحوة عربية ـ إسلامية ـ إنسانية تعيد الأمة إلى الخريطة السياسية الدولية. الأول: إن إقصاء الدول العربية الكبرى عن واجهة العمل العربي المشترك، والسعي المتواصل للتأثير على قراراتها ومواقفها بالمال سيظل معوقا يحول دون تحقيق توافق عربي إزاء القضايا الكبرى التي هي الأخرى محل اختلاف. فلا يمكن أن تقبل الشعوب العربية بأن تكون دولة كالإمارات أو السعودية هي التي تحدد بوصلة المسار أو أولويات العمل المشترك أو تحديد العدو والصديق أو القفز على الحقائق التاريخية لهذه الأمة.

الثاني: إن ظاهرة التطبيع مع الاحتلال انقلاب على واحد من أهم الثوابت منذ احتلال فلسطين قبل 70 عاما. وبرغم سياسات السنوات السبع العجاف الأخيرة التي مورست فيها سياسات التضليل والتشويش والتطرف والطائفية، ما تزال قضية فلسطين تمثل وجدان أمة العرب والمسلمين.

هذه الأمة ترفض في عمقها القبول بمبدأ احتلال أراضي الغير بالقوة. ينطبق هذا على ما جرى في فلسطين من احتلال إسرائيلي بدعم غربي، وما يحدث الآن في اليمن من احتلال مكشوف وفر لدولة كالإمارات، فرصة التصرف كقوة كبرى بفرض الاحتلال واستخدام المال سلاحا لاستمالة السياسيين وشيوخ القبائل والمعوزين من اليمنيين. ويدرك بعض عقلاء الأمة ومفكريها خطأ الصمت الذي حدث عندما اجتاحت القوات السعودية ـ الإماراتية البحرين في منتصف آذار/مارس 2011 وأعطت لنفسها حق التصدي لثورة شعب يبحث عن حقوقه المشروعة. الثالث: إن العمل العربي المشترك يتطلب رؤية ومشروعا، ولا يتحقق بالتمنيات والثقة المتبادلة بين الزعماء. وليس لأي من الدول التي تفرض نفسها لقيادة الأمة شيء من ذلك. فما هو مشروع السعودية؟ وما مشروع الإمارات؟ هل لديهما خطة لإعادة إحياء الأمة بمشروعها الحضاري الذي يشمل لم شملها وتوجيه إمكاناتها للتنمية القومية ومواجهة العدو المشترك وإنهاء الاحتلال؟ هل تملك هاتان الدولتان ما يقنع الجماهير العربية بأن لديهما من الفكر السياسي ما يلبي طموحها وشوقها للوحدة والحرية ورفض الهيمنة والاحتلال؟ أم أن ذلك التصدي مرتبط بأجندات صغيرة محدودة نابعة عن شعور شخصي لدى بعض القادة بعظمة وهمية نابعة عن غطرسة وغرور؟ الرابع: أن أمة العرب تستحق قيادة تمثل شعوبها وتطلعاتها، تمتلك رؤى مبدئية، دينية وقومية، تلهم الشعوب وتشعرها بالانتماء المشترك لأمة وحضارة وتاريخ وثقافة، على اختلاف أديانها ومذاهبها.

هذه الأمة أكبر من أن تقودها أنظمة حكم تستمد شرعيتها من القوة والشعور بالغلبة والقهر، تعتمد في وجودها على الدعم الأجنبي، وتستعين على الغير بالمرتزقة، وتسعى للسيطرة على شعوبها بدعم أعداء الأمة ومحتلي أراضيها. الخامس: إن القيادات التاريخية هي التي تجمع الشعوب أو الأمم التي تقودها، وتحاول لم شتاتها وتحتضن كافة مكوناتها على اختلاف أعراقها وأديانها، وتضع شعوبها أمام تحديات النهوض وتشعرها ليس بالانتماء للوطن فحسب بل بالشراكة في حكمه وإدارته وتنميته. فالمواطن ليس عبدا مأجورا يعمل لدى الحاكم، بل مواطن حر يمارس شراكة حقيقية وفق قانون عصري يحترم إنسانيته. أما الحاكم الذي يميز بين أبناء شعبه على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس، ويشعر رعاياه أنه صاحب الفضل ويمايز بينهم على أساس الولاء وليس الكفاءة، فلا يصلح أن يسعى لبناء «امبراطورية» مؤسسة على الغلبة والقهر وشراء المواقف وتكميم الأفواه والتنكيل بمن يطرح رأيا مختلفا في عالم يشهد تراجعا عن قيم الحداثة التي طورها على مدى سبعة عقود في مجالات الحكم والإدارة والعلاقات الدولية وحقوق الإنسان، فأن قبول الشعوب العربية بالأمر الواقع، وتخليها عن مسؤولية رفض ما لا ينسجم مع أولوياتها وأهدافها، سيؤدي إلى تراجعات غير محمودة وإخفاقات تستعصي على الإصلاح.

جريدة القدس العربي

اضف رد