أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » عدوان “النظام السعودي” على الهوية اليمنية: مشروع تاريخي مستمر
عدوان “النظام السعودي” على الهوية اليمنية: مشروع تاريخي مستمر
سعودية تريد محو التراث الثقافي والحضاري لليمن

عدوان “النظام السعودي” على الهوية اليمنية: مشروع تاريخي مستمر

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

لطالما اتّسمت العلاقات السعودية اليمنية بالهيمنة والتسلّط من قبل الجار الغني على الجار الفقير لإخضاعه بكل السبل والإمكانات المتاحة، خاصة بعد نجاح “السعودية” بدعم بريطاني في احتلال أراضٍ يمنية في عسير وجيزان عام 1934.

لكن المطامع السعودية لم تنته عند هذا الحد، بل بقيت الرياض دائماً تطلّع نحو التهام المزيد من الأراضي اليمنية، ولعلّ أبرز دليل على ذلك أن عبد العزيز آل سعود حين أعلن تأسيس مملكته عام 1932، لم يعيّن لها حدوداً لأن شهيّته كانت لا تزال مفتوحة لقضم المزيد من الأراضي.

فقد كان يطمح لقضم و”استيعاب الأراضي اليمنية السليبة وطمس هويتها الوطنية، وإبدال مواطنيها بجنسية وطابع مشاعر انتماء غير جنسيتهم وطابعهم ومشاعر انتمائهم اليمنية قبل وضع خطة توسع سعودية جديدة إقليمية وسياسية إزاء ما تبقى من الكيان اليمني”1.

ثمّة عدّة أنواع للهويّة، منها الهوية الذاتية والهوية الإجتماعية.

تعرّف الهوية الذاتية بمعنى “جوهر الشيء وحقيقته المشتملة عليه اشتمال النواة على الثمرة وثمارها، وهوية الشيء هي ثوابته التي تتجدّد ولا تتغير، إنها كالبصمة بالنسبة للإنسان يتميز بها عن غيره”2.

في حين يرى ريجارد جنكر أن الهوية الإجتماعية هي “تصورنا حول من نحن ومن الآخرون، وكذلك تصور الآخرين حول أنفسهم، وحول الآخرين.

وتأتي إثر عملية التفاعل الإنساني، وهي تستلزم عمل مقارنات بين الناس كي تؤسس أوجه التشابه والإختلاف بينهم.

فأولئك الذين يعتقدون بوجود التشابه بينهم وبين الآخرين، يشتركون في هوية تتميز عن هوية الناس الذين يعتقدون أنهم مختلفون، ولا يشتركون بذات الهوية”3.

وفي ما يخصّ هوية المجتمع اليمني التي ميّزته عن غيره، هو أنه مجتمع منفتح على الآخر المختلف عنه، تعايش أبناؤه على مرّ الزمن دون الإلتفات للفروق الدينية والمذهبية.

عاش فيه الزيدي والإسماعيلي والشافعي في تآلف فريد قلّ نظيره، ومن المعلوم لدى كل يمني أن جميع هذه الفئات كانت تصلّي في مسجد واحد، وتقيم جمعة واحدة، وتستمع لخطيب واحد، ويفتيها مفتٍ واحد، دون أي تمييز مذهبي، لتطبق بذلك مبدأ المواطنة بمعناها السياسي والإجتماعي بشكلٍ عفويّ، “فالإنتماء للوطن هو الإنتماء الذي يشمل جميع الهويات، ويفيد كل الخصوصيات، والدوائر الثقافية المتعددة بما يثري حركته عبر التاريخ”4، وهو ما جعل لتلك الهوية فرادتها التي حاولت “السعودية” تفكيكها عبر فرض النهج الوهابي الذي يكفّر ويقاتل كل من يعتنق مذهباً آخراً.

المراد بالعدوان السعودي الحالي على الهوية اليمنية والذي يوازي العدوان العسكري في مدى خطورته وآثاره، هو فرض “السعودية” لسياساتها على السلطة الحاكمة في اليمن، بواسطة أدواتها الناعمة والإستحواذ على القرار اليمني، ونزع الهوية الوطنية عن الدولة اليمنية.

ظهر هذا العدوان بصورة واضحة في محاولات النظام السعودي المستمرة لفرض المنهج الوهابي على الشعب اليمني، وضرب التعايش الزيدي والشافعي، ومحاربة المذهب الزيدي باعتباره مذهباً شيعياً رافضياً، ومحاربة المذهب الشافعي باعتباره مذهباً صوفياً بالإضافة إلى محاربة القومية والماركسية، وخلق صراعات مذهبية ومناطقية بين أبناء البلد الواحد، عبر شراء شيوخ القبائل والقيادات العسكرية والسياسية بالمال.

العدوان السعودي على هوية الشعب اليمني تمثّل أيضاً في تشجيع ظهور تنظيم القاعدة الإرهابي، ونقل أعضائه من أفغانستان ومن “السعودية” إلى اليمن، وتغذية التطرف والعنف من خلال ترسيخ المناهج الوهابية التكفيرية، الأمر الذي أدى إلى طمس معالم الهوية اليمنية الحقيقية التي اتسمت بالتسامح والإنفتاح على الآخر، لجعلها نسخة رديئة عن الوهابية.

يعيدنا هذا المشروع إلى سبعينات القرن الماضي، بعدما استحوذت “السعودية” على الدولة اليمنية، وراحت تحارب الهوية الوطنية في اليمن من خلال إقامة المعاهد العلمية والمدارس الدينية التي تنشر الفكر الوهابي المتطوّر.

فقد كان لها إنشاء “الهيئة العامة للمعاهد العلمية”، الذي مثّل إطاراً موازياً للتعليم العام، وقد تبنى ذلك آنذاك رئيس الوزراء المقرب من جماعة الإخوان عبدالله الحجري.

قدّمت “السعودية” حينها الدعم والتمويل والتسهيلات للطلاب المنتسبين للمعهد، كما استقدمت كوادر الإخوان المسلمين من مصر وسوريا للتعليم في تلك المدارس إلى جانب الإخوان المسلمين اليمنيين.

وكذلك عيّنت الإخواني عبد الملك الطيب وزيراً للتربية والتعليم، ليقوم باستبعاد القيم والمفاهيم التي تغذي الأفكار الوطنية والقومية ويضع بدلاً عنها مناهج وهابية صرفة تتهجم على الصوفية الشافعية وتصفهم بعبّاد القبور، وتصف المذهب الزيدي بالروافض.

وهكذا تحوّلت الهوية اليمنية إلى مجموعة هويات متناحرة بعدما كانت موحّدة ويسودها الإنسجام.

في الوقت الحاضر، جدّدت “السعودية” مشروعها ضد الثورة اليمنية التي قادها “أنصار الله” شمال البلاد، ودخلت البلاد على نسقٍ شبيهٍ لإدعاءاتها في الماضي.

فالسعوديون لم يحاربوا ثورة اليمن من أجل عبد الناصر كما يقال بل حاربوا الثورة من أجل الثورة نفسها، حماية لوجودهم، ودفعاً لخطرٍ داهم قد يمتد إليهم، من اليمن الذي يحتك فيهم احتكاكاً كبيراً، لذا كانت ذريعة السعودية في ثورة 26 سبتمبر 1962 الدفاع عن الشرعية في اليمن ودرء الأخطار الماركسية القادمة من الجنوب اليمني كما ادّعت، لكن في الحقيقة أن “السعودية” كانت تحمي نفسها خشية امتداد الثورة إلى أراضي الجزيرة العربية التي اغتصبتها.

واليوم، دخلت “السعودية” إلى اليمن تحت اليافطة نفسها: الدفاع عن الشرعية في اليمن ومحاربة الخطر الفارسي ومنعه من التوسع في الجزيرة العربية، بغية إسقاط الثورة اليمنية وإثارة الفتن والشقاق بين أبناء البلد الواحد كي لا يتوحد الجميع لبناء يمن مستقل يتّسم بهوية وطنية موحّدة، فذلك يخالف آمال الرياض التي تريده خاضعاً لها على نحوٍ يحقق وصيّة عبد العزيز بن سعود الذي جمع أولاده قبيل موته عام 1953 وقال لهم: “إن خيركم وشركم من اليمن”، وحين استفسر أولاده عن معنى هذه العبارة، ردّ عليهم بصريح القول: “خيركم في أذى اليمن، وشرّكم في رخائه”.

مرآة الجزيرة http://mirat0035.mjhosts.com/43272/