أخبار عاجلة
الرئيسية » إسلايدر » حصار #العوامية.. قتل وتشريد، هل ما زال في #السعودية “عقل”؟!
حصار #العوامية.. قتل وتشريد، هل ما زال في #السعودية “عقل”؟!

حصار #العوامية.. قتل وتشريد، هل ما زال في #السعودية “عقل”؟!

بقلم: عبد الوهاب فقي

العوامية بلدة غافية على الساحل الشرقي من المملكة السعودية. تحت ارضها حقول نفط، ويمرّ في اراضيها الزراعية جملة من أنابيب النفط المتجهة الى ميناء رأس تنورة النفطي، حيث تكريره ثم تصديره، فيما تعيش البلدة فقراً مدقعاً.

العوامية التي يسكنها نحو خمسين ألف نسمة، تميزت في تاريخها بمعارضة النظام، وسياسات التمييز الطائفي، وغياب العدالة الاجتماعية، وكان لها الدور الأكبر في الحراك الذي بدأ بالربيع العربي قبل نحو ست سنوات ولازال مستمراً.

اعتقل قادتها وأعدموا، كالشيخ نمر النمر؛ فيما حُكم على آخرين بالإعدام، وعلى عشرات غيرهم بالسجن لمدد طويلة تصل الى خمس وعشرين سنة.

تعرضت العوامية للعقوبات الجماعية، فقطع عنها الماء والكهرباء، وحرمت من خدمات التنظيف، وأغلقت مدارسها، ووضعت نقاط التفتيش في مداخلها، واتهم اهلها في وطنيتهم، لمجرد معارضتهم سياسات آل سعود.

عاشت العوامية لسنوات طويلة تحت القصف والقتل والهجمات الليلية لقوى الأمن بالمصفحات. ودمرت منازلها بصواريخ آر بي جي؛ ثم قررت السلطات أن تقتحم العوامية بمصفحاتها وأسلحتها وتدمّر نصف مساكنها بحجة (التنمية)! عقاباً لمعارضتها، ورسالة تهديد يوجهها آل سعود لسكان المنطقة الشرقية.

ولازالت العوامية محاصرة عسكرياً وتم تشريد الكثير من أهلها. ان واحدة من ابرز المسائل التي تستوقف المراقب للجريمة النكراء التي يرتكبها رجال الامن السعودي في مدينة العوامية ـ شرق السعودية، هو الاخراج الاعلامي المقزز لها، وهذا الغباء والاستهتار بعقول المواطنين والمراقبين على السواء.

فالصحافة السعودية التي عودتنا على تبرير جرائم النظام الداخلية والخارجية، والاكتفاء بالتسبيح بحمد الامراء، اذا قاموا او قعدوا، خطت هذه المرة خطوة اضافية في اسلوبها الممجوج للدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه، واتهام المواطنين بتدمير منازلهم وقتل اولادهم، بدل ان يدمروا دبابات وجرافات الداخلية العمياء، وبدل ان يقتلوا او يجرحوا جنودها المدججين بالسلاح والمندفعين كالوحوش لقتل كل ما تراه اعينهم وكل ما لا تراه، بإطلاق نار عشوائي اصاب البشر والحجر والممتلكات والمساجد على السواء.

فالقتلى والجرحى ودمار المنازل والاضرار بالسيارات والممتلكات كلها في صفوف الاهالي وارزاقهم، ومع ذلك يتهم الاعلام السعودي المواطنين، ويبرئ جنود الامن من الجريمة.

ففي كل مرة كان فيها رجال النظام المهجوس بأمنه، والقلق على عرش امرائه، يقتلون فيها شابا او رجلا، في العوامية او غيرها، كانت صحافة النظام الصفراء تسارع، قبل المتحدث باسم الداخلية ـ الذي بات يحفظ بياناته عن ظهر قلب، الى اتهام الضحية بأنه من الذين اُدرجت اسماؤهم على لائحة المطلوبين للداخلية السعودية.

كل من قتلته الداخلية السعودية اصبح مطلوبا بعد ان يقتل، حتى ظن اهالي العوامية انهم جميعا مدرجون على هذه اللائحة المشؤومة، بانتظار ان تحين ساعة قتلهم بالرصاص عمدا للترهيب والاذلال، ضمن سياسة العقاب الجماعي.

ولكن جنود النظام السعودي البواسل قتلوا هذه المرة طفلا لا يتجاوز عمره العامين الا بقليل، فأسقط في يد اعلاميي الغفلة ومطبلي النظام الدكتاتوري، فكيف يتهمون الطفل داوود الداغر، الذي قضى برصاصة وهو في حضن امه، بأنه مطلوب على لائحة الداخلية السعودية؟

لذا سارعوا الى اتهام المواطنين بأنهم مسلحون وأنهم اطلقوا النار، وانهم قتلوا واصابوا ودمروا، بينما كان جنود الداخلية المدججون بالسلاح يراقبون الموقف ولم يطلقوا رصاصة واحدة، بل كانوا ينثرون الورود على المواطنين!

وعلى هذا المنوال من السذاجة والتسطيح راح الكتاب السعوديون يغزلون القصص وينسجون الحكايات التي لا يصدقها عاقل، ويخجل ان ينقلها اعلام رصين في الشرق والغرب على السواء.

ومن تفاهات هذا الاعلام الذي بلغ دركا سحيقا من الرداءة والتضليل، التركيز على ان الحرب الدائرة في العوامية، والتي جهز لها النظام القبلي الطائفي الاف الجنود والاليات المدرعة والقذائف الثقيلة، والتي حوصرت فيها مدينة صغيرة وقطعت اوصالها بالحواجز الخرسانية، وفرض عليها منع التجول بالنار والقوة المسلحة، وحرمت من خدمات الكهرباء والماء والاتصالات والانترنت لايام عديدة، واغلقت مدارسها منذ نحو عامين، وحرم المواطنون من إدخال حتى المواد الغذائية، ووضعت نقاط التفتيش العسكرية في مداخلها، ودوهمت مزارعها.. بأسلوب لا يشبهه الا ممارسات النظام العنصري الصهيوني في فلسطين المحتلة ضد الفلسطينيين في مدنهم وقراهم!! كل هذه الحرب التي يندى لها الجبين، غرضها برأي الصحافة السعودية ان نظام القبيلة المذهبي يريد ان يطور العوامية، بينما يرفض اهلها التطور والتحديث!

تقول أن النظام اعد الخطط والبرامج لاقامة المشاريع والطرقات والمتنزهات والمساكن الجديدة.. ولكن الاهالي يريدون الاكواخ والزواريب الضيقة والحياة البائسة!!

فأي عقل هذا الذي يبدع مثل هذه الافكار والصور الخرافية في هذا الزمن؟ واي اعلام هذا؟ وكيف يمكن توصيف هذه التفاهات التي تسخر من عقول الناس وتقدم صورا كاريكاتيرية لا تصلح لتسلية الاطفال؟

المشكلة في النظام وليس العوامية! ان المشكلة الحقيقية وجوهر الصراع ان المواطنين من اهالي المنطقة الشرقية، الاهالي الحقيقيين والاصيلين والسكان التاريخيين لهذه المنطقة، يعيشون على بحيرة النفط، يملأ منها آل سعود خزائنهم، وهو يكابدون شظف العيش.. وهم برأي النظام وادواته الاعلامية ارهابيون، فقط لانهم يريدون حصة من التنمية والحياة الكريمة، والاعتراف بحقوقهم الانسانية، وهويتهم الاجتماعية والدينية، وإيقاف التمييز الطائفي بحقهم في شتى مجالاته!

ان الاهالي هم الذين يطالبون بالتنمية الحقيقية، وليس من العقل ان يخرج الاعلام ليتحدث عن رفض ابناء المنطقة وفيهم من العلماء والادباء والمثقفين والمتعلمين، ما اغنى المكتبات قبل ولادة الدولة السعودية، واحتلالها للمنطقة بالسيف الاملح، ليرفضوا تطوير العوامية! والصحيح ان هذه الذريعة البالية تخفي نية حقيقية لدى النظام في تمزيق الحياة الاجتماعية وتهجير السكان من مناطقهم، في عملية تغيير ديموغرافي لازالة الهوية التاريخية بكل رمزيتها لهذه المنطقة.

لقد فعل النظام السعودي مثل ذلك في اماكن اخرى بل هو فعلها حتى ضد الاثار الاسلامية التي تعود لزمن الرسول صلى الله عليه واله وزمن الصحابة، وقد اعتدى النظام على هذا التراث الانساني وشوهه، من اجل ازالة الهوية التاريخية للحجاز، وهو يعيد الكرة الان في القطيف، وهو يعلم المكانة الرمزية لكلتا المنطقتين في اطار صراعه التاريخي لسعودة الجزيرة العربية ونجدنتها، وفرض مذهبه الوهابي الأقلوي، وثقافة منطقته النجدية الأقلوية، على عقائد سكانها.

المشكلة ليست في العوامية، ولا في غيرها من قرى ومدن القطيف والاحساء، كما انها ليست في الحجاز والجنوب على اي حال، بل المشكلة الحقيقية هي في هذا النظام المتسلط، الذي ان لم يجد مشكلة.. ابتدعها، ليبقي على حال التوتر الداخلي بين فئات المواطنين تارة، وبين المناطق تارة اخرى، وبين القبائل والجهات في كل حين.

فالامراء السعوديون هم من يثير العنصرية ضد اهل الحجاز، والطائفية ضد اهل المنطقة الشرقية، ويقابل بالازدراء والتكبر سكان الجنوب، ويحجر على اهل الشمال، لانه نظام خائف.. بل ان هذا النظام تحول الى مشكلة اقليمية حقيقية، فهو يمول الحروب والنزاعات الاهلية في الدول العربية، ويشن العدوان بجنوده ومرتزقته على اكثر من دولة عربية، فيحتل البحرين ويدمر اليمن، ويجند جيش المرتزقة الارهابيين من كل بقاع الارض لتخريب سوريا والعراق ومصر ولبنان، ويشكل مظلة سياسية ومالية للعدوان الاميركي المباشر على دول وشعوب المنطقة.. كما فعل في الصومال والعراق وافغانستان وليبيا.

المشكلة ابدا ليست في العوامية، بل في آل سعود الذين لم يعد لهم ولنظامهم الهزيل من وظيفة الا اشعال الحروب، وابقاء المنطقة في حال من التوتر، واشاعة الصراع المذهبي او العرقي والقبلي، والتمهيد لمرحلة نضوج المشروع الاميركي للشرق الاوسط الجديد في بناء الكانتونات والفيدراليات بدل الدول، وابقاء المنطقة في حال من التشرذم والضعف والتبعية للهيمنة الاميركية.

المشكلة ابدا ليست في العوامية، بل في هذا النظام الذي يعمل على تفكيك مكامن القوة في الجسد العربي، وانهاك الجيوش العربية، وقوى المقاومة، لتأمين الكيان الصهيوني وازالة اي تهديد يمكن ان يتهدده امنيا او عسكريا.

المشكلة ابدا ليست في العوامية.. ولا في اليمن وشعبه المسالم الطيب.. ولا في البحرين واهلها الذي اذهلوا العالم بصبرهم وسلميتهم.. ولا في العراق ولا في سوريا ولا في مصر.. المشكلة ليست هنا ابدا؛ اذ لا يعقل ان تكون كل هذه الشعوب تعتدي على آل سعود وتثير معهم الحروب.. بل المشكلة في النظام السعودي المأزوم على كل صعيد، والذي لا يجد الا المستضعفين لينشب فيهم اظافره، وهو يعلم ان كل جرائمه تحت رعاية وتغطية رعاته الدوليين، اصحاب المصلحة الحقيقية في هذه الحال المتردية للأمة.

اما ثالثة الاثافي في المواقف المخزية للاعلام السعودي، فهي تحريضه الصريح على القتل، قتل المواطنين وليس فقط تكفيرهم والتشكيك في وطنيتهم، ومزايدته على امراء النظام في بث الفرقة وشيطنة العدو، وهو في هذه الحالة اهل البلد واصحاب الارض، بعد ان صار العدو منطقة بأكملها وطائفة باتساعها وعمقها.

فالكتاب السعوديون لم يعد يكفيهم ما قاموا به ولا يزالون من تبرير لسقطات النظام وسياساته، والتستر على الجرائم البشعة التي ترتكبها قوات الامن بمختلف مستوياتها، بل حولوا اقلامهم الى خناجر ينحرون بهم مواطنين عزلا، ويقتلون ضحايا الارهاب الرسمي مرة اخرى بكتاباتهم.

آل سعود.. رسالة الدم

المثل الاول لهذا الايغال بالدم، والدعوة الى القتل، نقرؤه فيما كتبه الدكتور محمد عبد الله العوين، في صحيفة الجزيرة السعودية في الثالث عشر من مايو 2017، اي في اليوم الرابع للحملة الهمجية العسكرية للنظام السعودي على العوامية.. حيث كتب مقالا تحت عنوان: (الصمت عن الإرهابيين في القطيف خيانة!)، جاء فيه: (لا هوادة بعد اليوم، ولا رأفة ولا رحمة بهؤلاء! السيف في اليد، ورقابهم المنتنة الخائنة لمثل هذا السيف قد خُلقت)!

ليس للخيانة إلا تعريف واحد، وليس لها أيضاً إلا عقوبة واحدة! اجل.. هكذا يتحدث مثقف سعودي، وكاتب صحافي عن ازمة داخلية، وكأننا امام داحس وغبراء جديدة، امام حرب تنتهك فيها الحرمات وتسفك الدماء، ولا يبقى فيها اي حل الا القتل.

وفي دولة محترمة فإن مثل هذا الكلام لوحده جريمة، ويضع صاحبه تحت طائلة القانون لو كان في دولة تحترم القانون، او تحكم تصرفات امرائها قوانين وانظمة.. ولكن لمن تشتكي في دولة دكتاتورية، تخصع لتعسف الفرد وحاشيته، وتمتلك الاعلام وتوجهه.

ويلجأ العديد من الكتاب ـ ومعظمهم نجديون وهابيون يمثلون حاضنة سلطة آل سعود ومنتفعون رئيسيون منها ـ ومن بينهم جاسر عبدالعزيز الجاسر، وهو بعثي سابق.. يلجأ في صحيفة الجزيرة ايضا، وفي مقاله ليوم الاثنين الخامس عشر من مايو الجاري، الى الحديث عن مشروع تنمية في مسوّرة العوامية (المستهدف تدمير نصف منازل العوامية)، وهو ما اثار برأيه الناشطين الذين سماهم ارهابيين!

لماذا؟ حسب رأيه ورأي العشرات غيره من الكتاب، وهو الموقف الذي عممته الداخلية السعودية على مرتزقتها من كتاب الزوايا في الصحف السعودية.. لأن هؤلاء الناشطين يخشون ان يخسروا مخابئهم في المسورة، التي يستخدمونها لشن عملياتهم الارهابية!

وينسى الكاتب واقرانه ممن تبنوا هذا الرأي الساذج، ان ارهابيي وناشطي الرياض وجدة وعرعر وكل المناطق التي داهمتها قوات الامن او تعرضت فيها مواقع لهجمات، لم يخرجوا من المسورات، ولم يحتاجوا اليها.. بل ان الارهابيين الحقيقيين الذي خرجتهم مدارس النظام الدينية الوهابية ففجروا مساجد وحسينيات العوامية والقديح والاحساء وسواها، ولم يخرجوا من المسوّرة.. لان الارهاب اليوم لا يحتاج الى هذه الاساليب البدائية للعمل، لا في الغابات، ولا في الجبال الوعرة، بل هو يعمل ان شاء في الصحراء كما في المدن مستفيدا من امكانياتها المادية والتقنية واجهزة التواصل المتوفرة.

كتاب النظام السعودي يعلمون ايضا ان كل اعمال العنف والتوتر، انما هي نتيجة استهداف مباشر للقوى الامنية للمواطنين واحيائهم بحجة البحث عن مطلوبين، او بسبب الاعتداءات الصريحة والمباشرة من الاجهزة الامنية على احتجاجات سلمية ومطالبات مشروعة بالحقوق والمساواة والعدالة الغائبة.

وهذا الاجماع على رأي الداخلية واجهزة النظام السعودي بين كتاب الصحف السعودية ومحرريها، لا يعبر عن قناعة بينهم بصحة ما يقولون، ولا يعبر عن اخلاقية المهنة بالتأكيد، بل هو جزء من حالة الاستلاب والاستتباع التي خضع لها هؤلاء الكتاب، وتعبير عن غياب الحريات وخصوصا حرية الرأي والتعبير، اذ يستحيل ان يجمع ابناء بلد وصحافيو دولة على رأي واحد مهما كان هذا الرأي.
عقل الباهلي، في دولة بلا عقل!

والحالة السعودية فريدة ليس لها مثيل لا في الدول المتقدمة ولا المتأخرة، وحتى في حالات الحروب تبقى هناك اصوات تعارض القتل والايغال بالدم، وتدعو الى السلام والحوار وحل المشكلات بالاساليب السياسية والديبلوماسية.. الا هنا..

فقد خلت السعودية من اي تفكير عقلاني معلن، مع التقدير لحالات موجودة لكنها خشيت ان تعلن عن نفسها، حتى لا يصيبها ما اصاب رجل واحد تجرأ على قول شيء من الحقيقة، ألا وهو الناشط والاعلامي عقل الباهلي، الذي ظهر في مقابلة تلفزيونية وقال شيئاً خلاف المألوف، حين استبعد تهمة الارهاب عما يجري في العوامية، ورفض التخندق العنصري المذهبي للنظام، فتم وصمه ـ كما هي العادة ـ بأنه فارسي وخميني وصفوي ومتشيع!

عقل الباهلي لم يقل الكثير، بل انهم لم يدعوه يقول الكثير، فأشار فقط بكلمات متلعثمة الى انه يستبعد تهمة الارهاب، التي يحاول النظام الامني السعودي الصاقها بناشطي العوامية الذين يقاومون التدمير المنظم لمدينتهم وتراثهم، وهم يعلمون ان شعار التنمية ليس الا ذريعة شفافة وساقطة، فالتطوير لا يحتاج لهدم الابنية الاثرية، بل ان احياء التراث والحفاظ عليه هو جزء اساسي من التنمية الاجتماعية والثقافية، والتي هي جزء اساسي من التنمية الاقتصادية..

المشاركون مع الباهلي انقضوا عليه، لم يتركوه يوضح كلامه او يشرح فكرته ويبررها، واجهوه بالتهم المعروفة، دون نظر الى حقيقة كلامة او الرد عليه بالحجة. اذا لا يجوز في منطق كتاب البلاط وشعراء السلاطين، ان يتحدث احد بغير ما تريده الدولة او النظام، وهما شيء واحد في دولة التسلط والديكتاتورية، وكلاهما لا يعني شيئا غير رأي الرجل الممسك بهذا النظام.

كل كلام لا تريده الدولة باطل، وهو دفاع عن المجرمين المفترضين، ومن يسميه نظام الامراء ارهابيا لا يمكن ان يبحث احد عن اسباب ودوافع تسميته، هكذا يفهم كتاب هذا النظام الاعلام، وهكذا يتعاملون مع المهنة التي وجدت للتنوير والتثقيف والبحث عن الحقيقة، بل وجدت لموازنة آلة النظام الثقيلة والدفاع عن المستضعفين والذين لا صوت لهم.

اعلام بلا عقل، لدولة يحكمها مزاج الملك او رغبات ابنه، يستخدم فيها الاعلام للتجييش واثارة الغرائز، وبناء العصبيات والاستسلام لرأي السلطة باعتبار كل مخالفة له تمردا وثورة.

في اليوم التالي لظهور عقل الباهلي على محطة فضائية، رد المحامي السلطوي عبدالرحمن اللاحم في عكاظ بهجوم كاسح، على الباهلي، مستفيدا من قاموس ثري من الالفاظ الخشنة والتعابير العنصرية والاتهامات الجاهزة.

يقول اللاحم ان: (الناشط الحقوقي عقل الباهلي، لم تقنعه مقاطع الفيديو التي صورها خلسة بعض الشرفاء الوطنيين في القطيف لقطعان التطرف والإرهاب، وهم يتجولون في المسوّرة متوشحين بالسواد كسواد فكرهم المتعفن، بأقنعة سوداء كسواد وجوههم، حاملين الرشاشات الآلية، لإرهاب الآمنين في تلك البقعة الوادعة من هذا الوطن).

ويختم اللاحم موشحه من الشتائم التي تليق بصحافة نظام مستبد: (مصيبتنا ليست مع الإرهابي الذي يحمل بفجور السلاح في وجه الدولة، وإنما مع من يحاول أن يبرر جريمته، أو أن يُقزّمها، ممن وصفوا أنفسهم ظلما وزورا بنشطاء حقوقيين؛ ولم يعلموا أن من أول حقوق الإنسان حقه في الحياة، وحقه بالأمن من بطش تلك الجماعات الإرهابية، التي لا تألو في مؤمن ولا في غيره إلاًّ ولا ذمة).

إنها مأساة حقيقية، ان لا يبقى مكان للعقل في صحافة دولة بكاملها، الا عند رجل واحد هو عقل الباهلي.. لتتحول ساحة الاعلام السعودي الى سلسلة من المقالات التي امتلأت بها صفحات الجرائد لأيام عديدة ولاتزال، حيث يتوقع ان تستمر حتى يعثر النظام على مشكلة اخرى، يثيرها ويفجرها، ليحول اليها هذا الزخم من العداوة والكراهية للاخر، الذي حقن به اجهزته الاعلامية وحاضنته المذهبية، ليس فقط ليشوه الاخر ويبرر العدوان والظلم عليه، بل ليمنع التفكير الحر، والبحث عن الاسباب الحقيقية لما تعاني منه هذه البلاد (المهلكة!)، والسؤال عن الحلول المنطقية والعقلانية للمشكلات التي تتنقل بينها.

ان اكثر ما يؤذي الدكتاتورية هو العقل المتنور، والبحث عن الاسباب والحلول، لان الدكتاتورية تعيش على التعمية وتضليل الاتباع واستلابهم، ليكونوا حولها سورا منيعا يمنع التغيير والتطور والتقدم.

صحيح ان ما يجري في العوامية اليوم هو مأساة حقيقية، وجريمة مروعة من جرائم العصر، كونها ترتكب بيد نظام ارعن لا يفهم الا لغة البطش والقتل والعدوان، وضد مواطنين عُزّل مسالمين، لا يطالبون الا بحقوقهم الطبيعي وكرامتهم، التي لا منّة لمخلوق عليهم فيها.. الا ان الصحيح ايضا انها محنة النظام نفسه، الذي يعجز عن مواجهة الحلول الطبيعية لمواطنيه، ويخاف ممن يسميهم مواطني دولته، ولا يجد الا الاعداء حوله.. والادهى من كل ذلك انه لا يأمن الا في احضان اعدائه الحقيقيين واعداء الامة الذين يقدمون له الحماية طالما انه يمكّنهم من ثروة هذه البلاد الطيبة.

العوامية بخير رغم جراحها العميقة، والنظام يترنح وهو يرقص على الدماء والاشلاء. وكل آت قريب.