أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » #القطيف و#الاحساء بركان ثائر، ومعين لا ينضب
#القطيف و#الاحساء بركان ثائر، ومعين لا ينضب

#القطيف و#الاحساء بركان ثائر، ومعين لا ينضب

بقلم: حسين العقيلي
في عام الف وتسعمائة وستة وعشرون 1926 حدثت الانتفاضة الأولى في المنطقة الشرقية (القطيف تحديداً)، أي بعد أحد عشر عاما من اتفاقية دارين والتي أعطى فيها الإنجليز ابن سعود السيطرة على كافة الجزيرة العربية ومن ضمنها الواحتين (الأحساء والقطيف) كان نقطة انطلاق الإنتفاضة مدينة سيهات وعاصمة المنطقة الإقتصادية أنذاك العوامية (الزارة) وتبعتها مناطق القطيف الأخرى تباعا.

ونأسف لعدم توافر معلومات كثيرة دقيقة عن تلك الإنتفاضة المجيدة حيث النسبة الكبرى من معرفة الأحداث وسرد التحركات والمفاهمات الناجمة عن الاحتجاجات تعتمد بالشكل المطلق على الأسماع من الآباء والأجداد الذين أغلبهم أنتقل إلى رحمته تعالى، آنذاك كان الاهتمام بتسجيل الوثائق حول تلك الحقبة بشكل دقيق ومفصل يتم عبر الإستعانة بمن عاصر تلك الفترة ولم تعد تسعفهم الذاكرة فيقع اللغظ والخطأ في تقديم وتأخير الأحداث فمن عايش الحقبة الزمنية الماضية هم كبار السن (محاولة تسجيل الأحداث تلك كانت قبل مضي ثلاثين عام من آلان)، فأثر المتتبع الدقيق عدم الاعتماد على كثير مما قاله أولئك المسنين.

والشيء الموثق والمجمع عليه أن الانتفاضة رفعت المطالب الاقتصادية شعارا رئيسيا ، فقد أبهض جباة الزكاة والفتيوية وبعض العمد وأمراء المنطقة ظهور ألاهالي باسم الزكاة والاتوات، ولم يكن يسمح لأحد بالتأخر عن السداد علاوة على التهرب عن الدفع ولو كان معدما أو كسيحا قعيدا، فلم يكن يسمع صوت العاجز ولم يسمع صوت الطالب بخفض الاتواة التي كانت أصلاً بلا وجه حق وتزداد ارتفاعاً مع إطلالة كل موسم ، والزكاة لم تقف على الحد الشرعي بل هي مزاجية ومحسوبية بإمتياز ، وكان البعض من مسؤوليها وجباتها يعدونها جزية تأخذ من كفار ومشركي المنطقة.

في تلك الفترة الزمنية مُنع الأهالي من إظهار شعائرهم الدينية خلافا للاتفاقية المبرمة مع الملك المؤسس ،
فكانت هذه الشعلة التي جمعت حولها كافة الأهالي فالإستهتار بالرمز الديني والمذهبي للمنطقة ومنعهم من البوح بها له الثقل الأكبر في اظهار السخط العام ، وفاقم وضع السخط ايضا عدم مراعاة العهود التي لم يجف حبرها بعد في الاتفاقية الشهيرة المعروفة بإتفاقية دارين أو اتفاقية القطيف بين المؤسس والبريطانيين والتي راعت الحقوق الاجتماعية والفوارق الدينية لكافة قاطني منطقة الحجاز.

ورغم صعوبة العيش وخشونته ومع بعد المسافات وعدم توافر سرعة انتقال المعلومة استجاب الأهالي لنداء الانتفاضة فالإحباط والشعور بالضيم والقهر كان حالة عامة فانتفضت المنطقة ضد المعينين وأميرهم وأحكامهم المجحفة ، واستمرت الانتفاضة قرابة السنة أو تزيد قليلا لم يستجب أمير المنطقة وجهاز سلطته لنداء الجماهير بداية وعلى وقع زخمها وحمل السلاح من قبل أهالي المنطقة وامتناعهم عن دفع الزكاة والاتوات وإظهارهم الشعائر المذهبية بشكل التحدي ، وبهدف تنفيس الاحتقان استجابت سلطة القبيلة بعد مفاهمات مع الملك مباشرة وتم عزل الأمير ابن سويلم ، واستبدل بعض المعنيين ممن فرض أتاوات خاصة كما تم إضعاف قبضة رجال الإخوان الدينين على أهالي المنطقة.

في ستينيات القرن المنصرم وتحديدا في سنوات الملك فيصل ابن عبدالعزيز حدثت انتفاضة جديدة في منطقة القطيف، كان هدفها وشعارها المطالبة بالعدالة والمساواة الاقتصادية ومساواة اجور موظفي شركة الزيت (ارامكو)، ورفع الضغوط المذهبية عن أبناء المنطقة ونجم عن تلك الاحتجاجات الاضراب الكبير الذي شل انتاج الزيت وسبب في عدم تصديره للولايات المتحدة في الحادثة الشهيرة.

وحيث أن الانطباع العام للانتفاضة كان المطالبة بالحقوق الاقتصادية وكان الإقليم يشهد حركات تحرر اشتراكية وشيوعية حاولت السلطة إلبساها لباس الشيوعية والاشتراكية لينفر منها وينفض عنها أبناء المنطقة المتدينين ليسهل التفرد بها والإجهاز عليها،
وللأسف نجحت سلطة القبيلة البدوية بعد تحجيم المعارضة وتم محاصرتها (الانتفاضة) والإجهاز عليها باعتقال مجموعة كبيرة من المنضويين تحت راية الحركة الاحتجاجية وزجهم في السجون وقتل بعض قادة تلك الانتفاضة في السجن كما حدث لابن العلامة الشيخ فرج العمران وكما حدث بعد اختطاف المناضل والوطني الكبير ناصر السعيد.

في عام ألف وأربعمائة للهجرة 1400 حدثت الانتفاضة التي أرّخ لها الكثيرون ووثائقها منشورة ولا زالت أحداثها عالقة في أذهان الأخوة والأخوات إذ أن الانتفاضة لم توغل قُدماً بعد ومن عاصر أحداثها لا زال يعيش بين أظهرنا كما خسائرها وثمارها ماثلة في الأذهان وعالقة في النفوس ويصعب على الأهالي نسيان تلك الذكريات الأليمة والموجعة حيث استمر الحرس الوطني يعيث الفساد في المنطقة بعد ان أطلق له العنان واستباح منطقة القطيف من أقصاها لاقصاها، سقط أثر ذلك مجموعة كبيرة من الشهداء وأنتهت بعد اعتقال المئات من شباب المنطقة وهاجر المئات من الرجال والنساء خارج البلاد.

راوح تصعيد البطش المد والجزر في انتفاضة المحرم لعام 1400 ، وأستمرت شهورا قبل أن يسيطر الحرس الوطني على الأرض كاملا ويقمع الأهالي قمعا شديدا ، فقد فتك بالنساء قبل الرجال والصغار قبل الكبار ، كانت حناجر المتظاهرين طيلة الأيام والشهور التي شهدت الانتفاضة تصدح بإعطائهم حقوقهم المذهبية وعهودهم التي وافق عليها المؤسس وأمضاها في ضمن المعاهدة البينية بين رجال الدين ووجهاء المنقطة وبينه (المؤسس).

ما فتئت النخب الدينية والفكرية والوجهائية تطلب وتذكر أمراء المنطقة بالمعاهدة تلك ووجوب الوفاء ببنودها ليتم الانتهاء من الوضع المتأزم في منطقة الواحتين ( القطيف والاحساء )، الحناجر تصدح عفويا وسليقة بالحقوق المادية والثروة الطبيعية التي تزخر بها أرضهم وتجري سيولا عظيمة تحت ارجلهم.

المطالب ذاتها التي صدحت بها حناجر الآباء والأجداد في الستينات وما قبلها لم تتغير ، لعل العبارات تبدلت ولعل اليافضات دبلت فتغيرت ولم تتغير المطالب ولم تتبدل المبادئ في الانتفاضة العاشورية لعام الف وأربعمائة ، السنحة السمراء والسواعد القوية والأيدي المتشققة بفعل العمل هي ذاتها التي رفعت اليافطات والبنادق في ما سبق ، الآبناء ورثوا الآباء.

وللحديث تتمة،،،