أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » الجهاد السياسي لشيعة الجزيرة العربية تتوّج بثورة الشيخ النمر
الجهاد السياسي لشيعة الجزيرة العربية تتوّج بثورة الشيخ النمر

الجهاد السياسي لشيعة الجزيرة العربية تتوّج بثورة الشيخ النمر

منذ تأسيس “الدولة السعودية” الحديثة بعد التحالف التاريخي بين آل سعود ومحمد بن عبد الوهاب، وعلاقة النظام السعودي مع الشيعة تتّسم بالإضطرابات.

فلا النظام تعامل مع الشيعة كفئة من فئات الوطن لها كيانها وخصوصيتها الثقافية والدينية والإجتماعية، ولا الشيعة شعروا بالإنتماء إلى بلدهم الذي استولى عليه آل سعود، ولذلك ظلّ الشيعة يقاومون سياسة الإضطهاد والتهميش عبر حركات سياسية ظهرت في عدة حقبات زمنية، لا سيما تلك الحركات التي تولى قيادتها سماحة الشيخ المجاهد نمر باقر النمر.

تعرض الشيعة في “السعودية” للتمييز الطائفي والمناطقي، فرغم أنهم يتمركزون في منطقة القطيف والأحساء التي تعوم على بحار من النفط إلا أن هذه المنطقة هي الأقل حظّاً من مشاريع الإنماء والتنمية، والأكثر نسبةً في معدلات البطالة.

فضلاً عن ذلك، أدى ترسيخ الوهابية كمذهب رسمي في البلاد إلى استنهاض العصبيات الطائفية ضد الشيعة من قبل أبناء الطوائف الأخرى في البلاد ما جعلهم عرضة للإستهداف بصورة مستمرة.

فعلى سبيل المثال، يفرض النظام القضائي أحكاماً متحيّزة ضد الشيعة في كثير من الأحيان، ومناهج تعليم تشوّه صورة المعتقدات والممارسات الدينية الشيعية.

فيما ينعت رجال الدين السعوديين الشيعة بمصطلحات مهينة مثل “الرافضة” و”الروافض”، ويُحقّرون معتقداتهم وممارساتهم، ويزعمون ارتباطهم بجهات خارجية لإجهاض أي حالة احتجاجية ضد النظام السعودي.

كل تلك الأسباب، كانت تدفع بالشيعة لممارسة المعارضة ضد سلطات آل سعود.

فتارةً يرفعون الصوت وأخرى ينزلون إلى الشارع، ويتعرضون للمطاردات والإعتقالات والقتل. بعد ظهور النفط في “السعودية” عام 1933، تولت شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا الأمريكية امتياز التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية، وهو ما مثّل بداية الهيمنة الأمريكية على مقدرات المنطقة.

وبطبيعة الحال، حصلت التعيينات الوظيفية بشكل غير عادل، إذ جرى تهميش السكان الأصليين وتفضيل الموظفين الأجانب والقادمين من مناطق أخرى، فنفّذ أهالي الشرقية أول إضراب عمالي عام 1944 حيث قدم العمال مطالب عمالية نقابية وجرى تشكيل أول لجنة عمالية في 1952 سعت إلى الاعتراف بها كممثل للعاملين في شركة ستاندر أوبل.

ازدادت وتيرة الإحتجاجات التي نفّذها الموظفين الشيعة مع انضمام عمال من مناطق وطوائف أخرى.

وفي مايو/آيار 1956 اندلعت مظاهرات عمالية ضد قاعدة الظهران للقوات الأمركية، حيث ساهم الشيعة بفعالية إلى جانب العمال السعوديين الآخرين وكانوا ضمن قيادات وفعاليات العمل والنضال النقابي السياسي حينئذ.

وفي العام نفسه، ألقيت خطب وقصائد شعبية حماسية في إحدى مزارع القطيف، لتقوم السلطات السعودية بتنفيذ اعتقالات واسعة في صفوف المشاركين من العمال والمثقفين الذين كانوا من الشيعة والسنة على حد سواء، ثم توالت التحركات العمالية المطلبية والتي بلغت ذروتها في 23 سبتمبر/ أيلول 1956 أثناء زيارة جمال عبد الناصر “للسعودية”.

عام 1979 شهدت القطيف والأحساء انتفاضة ضد الحكم السعودي عرفت باسم “انتفاضة محرم”، أسفرت عن ارتقاء قرابة الثلاثين شهيداً، وإصابة العشرات واعتقال المئات، وكان الشيخ الشهيد نمر باقر النمر من أبرز قادتها.

وقد حملت الإنتفاضة عناوين واضحة تطالب بالإصلاحات، سيما أن المنطقة تعرضت للإهمال فيما يخص المشاريع التنموية، رغم أنها منطقة ذات أهمية رئيسية “للسعودية” نظراً لامتلاكها الجزء الأكبر من احتياطيات النفط وكذلك المصفاة السعودية الرئيسية ومحطة تصدير رأس تنور الواقعة بالقرب من القطيف.

أدى هبوط الطائرات الأمريكية في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية بالظهران، بالتزامن مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران إلى تأجيج الغضب الشعبي في الوسط الشيع المشحون بالضغوط، فنظم الشيعة تظاهرات ضخمة جالت العديد من المناطق، ردّدوا فيها هُتافات مُناهضة لآل سعود والأمريكيين، ثم أقدمت السلطات السعودية على إجهاض التحركات بالقوة المفرطة التي استخدمتها ضد المتظاهرين.

مع اندلاع التظاهرات في العالم العربي عام 2011، قاد الشيخ الشهيد نمر باقر النمر حراكاً شعبياً في القطيف والأحساء، حيث طالب المحتجون بدايةً بإطلاق سراح المنسيين التسعة الذين اعتقلهم السلطات منذ تسعينات القرن الماضي ولم تطلق سراحهم بعد.

ثم توسّعت المطالب لتشمل الواقع السياسي والإجتماعي بصورة عامة في المنطقة الشرقية، فقدّم سماحته شرحاً مفصلاً لواقع المنطقة التي تعاني التمييز ويتكبد أهلها القهر والتهميش نتيجة السياسات الممنهحة التي تمارسها سلطات آل سعود حيالهم.

وبيّن الجرائم والمفاسد التي يقترفها آل سعود تجاه الشيعة بشكل خاص وكافة المكونات الشعبية بصورة عامة، لا سيما مصادرة خيرات البلاد ووهبها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهدر المال العام على ملذات الملوك والأمراء والتي يحرم منها الشعب، فضلاً عن اختلاق الأزمات بين الطوائف لمنع أي حالة إجماع شعبي ضد حكم آل سعود.

ورغم أن السلطات السعودية أقدمت على اعتقال ثم قتل الشيخ النمر، وأجهضت كافة التحركات الشعبية التي اتسمت بالسلمية التامة، إلا أنها لا تزال حتى الآن ناقمة على المنطقة الشرقية وأبنائها، إذ نزعت الأمن والإستقرار من هذه المنطقة، نتيجة المطاردات والإقتحامات وتنفيذ الإعتقالات والقتل التي تجرى بشكل شبه يومي، بذريعة الإنتماء لجهات خارجية والتخطيط لأعمال إرهابية، وغيرها من المزاعم التي بتثّها السلطات السعودية لتشويه صورة الشيعة في البلاد.

ولكن رغم ذلك كله، لا يزال أبناء الطائفة الشيعية يمارسون عملهم السياسي المعارض للنظام السعودي لا سيما داخل البلاد أو خارجها بشكل سلمي، والأهم أنهم لا يزالون حتى الآن يرفضون حكم آل سعود لبلادهم ويتطلعون إلى تحرير أرضهم من هذه الطغمة الفاسدة.

مرآة الجزيرة ـ عامر الحسن